ملفات بارزة

الدولار .. الى أين؟

جفاف الأهوار .. فينيسيا الجنوب على لائحة الخطر

تحقيقات
27 كانون الثاني 2024
جفاف الأهوار .. فينيسيا الجنوب على لائحة الخطر

المربد: رعد سالم

جغرافية أهوار جنوب العراق
على مساحة عشرة آلاف كيلو متر مربع تمتد المسطحات المائية لأهوار جنوب العراق على امتداد الجزء الجنوبي لنهري دجلة والفرات تتوزع على ثلاثة محافظات عراقية هي ذي قار وميسان البصرة والتي تشكل محميات للنباتات الطبيعية والطيور المهاجرة والمستوطنة والحيوانات البرية المختلفة.

هذا المسطح المائي المتكون من هور الحمار الغربي وهور الحمار الشرقي والأهوار الوسطى وهو الحويزة يشكل عاملا مهما للتوازن البيئي على مدى عقود من الزمن تعرض إلى تجاوزات وأعمال تجفيف جائرة بدوافع سياسية وأمنية أفقدته 90 بالمائة من مساحته وهجرة أغلب السكان المحليين وتضرر الثروتين السمكية والحيوانية.

بعد عام 2003 جرت محاولات حكومية وبدعم وكالات وجهود دولية لاستعادة 50 بالمائة منها من خلال تامين إطلاقات مائية كافية لم تفلح تلك الجهود لحد الآن في تحقيق 96 بالمائة من ذلك حتى عام 2019 حيث وفرة المياه حينها بسبب ظروف التغير المناخي وشحة المياه والأوضاع السياسية والأمنية الداخلية والخارجية.

الأهوار واليونيسكو
أهوار جنوب العراق منطقة بيئية استثنائية للتنوع البايولوجي وذات دلالات تاريخية لبلاد ما بين النهرين جعلتها من اهتمامات منظمة اليونسكو والتي أدخلتها إلى لائحة التراث العالمي في 17 تموز عام 2016 خلال اجتماعها في العاصمة التركية إسطنبول الى جوار ثلاثة مواقع أثرية أخرى.

استحقاقات الأهوار
استعادة المشهد الطبيعي لمناطق الأهوار يحتاج جهودا مشتركة محلية ودولية لا يمكن خلالها التجاوز على محرمات المكون الطبيعي للمسطحات المائية بعد انضمامها إلى لائحة التراث العالمي إلا أن قلة المياه كانت من أبرز التحديات التي تجددت لتفتك بالمنطقة من جديد.

معاناة متجددة لسكان الأهوار
يحاول الحاج محمد قاسم ذو الخمسين عاما وهو يحمل مجرفته أن يشق لزورقه طريقا في إحدى الممرات المائية في أهوار قضاء الجبايش بعد أن تحولت بسبب الجفاف إلى ممرات طينية لا يمكن التنقل خلالها في صورة مأساوية لحال أهالي الأهوار بعد تضررها مجددا بفعل التغيرات المناخية وقلة الإطلاقات المائية.

يقول الحاج محمد "هاي من الصبح لحد الآن أريد أوصل لبيتي ما أكدر" في تعبير عن حالة المعاناة التي يتكبدونها بعد رحلة له فجرا دون أن يحصل على صيد من السمك المعروف بـ (الشانك) وهو آخر ما تبقى من سلالة الثروة السمكية في مناطق الأهوار والتي كانت تضم البني والحمري والشبوط والخشني وغيرها.

أبو كرار من سكنة منطقة البريجة في الأهوار الوسطى يقول "كل شيء انتهى هنا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة فلا حركة للزوارق ولا حياة للأسماك والجاموس وغابت عن المنطقة مظاهر الحياة" مناشدا الجهات الحكومية الالتفات إلى معاناتهم وإيجاد الحلول والمعالجات لها.

منطقة "حسجة" في أهوار الجبايش تحولت إلى أراضي صحراوية بالكامل ومشهد الزوارق المتوقفة صورة معبرة عن واقع الحال وهجرها اغلب سكانها إلى مهن أخرى في مناطق مجاورة بعد نفوق أعداد من ثروتهم الحيوانية بعد أن غابت المياه ونباتات البردي عن بيئتها الحاضنة كما يقول أحد الأهالي "أبو سجاد".

التغيرات المناخية من أبرز تحديات بيئة المياه
تأثيرات التغيرات المناخية المتعددة كانت من أبرزها ما يتعرض له قطاع المياه وتداعياته البيئية على المناطق الجنوبية ومنها محافظة ذي قار كما يقول مدير بيئة المحافظة محسن عزيز والذي يقول عنها ألقت بظلالها على جفاف مجاري الأنهار ومسطحات الأهوار نتيجة قلة الإطلاقات المائية بالإضافة إلى ملوثات أخرى من المخلفات المختلفة والتي ترمى بشكل مباشر إلى هذه المناطق المهمة.

ويضيف عزيز إن هذه التداعيات أثرت وبشكل كبير على تراجع الغطاء النباتي مع تقليص الخطط الزراعية بسبب أزمة شح المياه التي يتعرض لها العراق والمناطق الجنوبية خصوصا وتصحر مناطق واسعة من المسطحات المائية وتصاعد الموجات الغبارية وتلوث الهواء بالإضافة إلى ما تسجله من عمليات نزوح الى مناطق أخرى.

تداعيات الجفاف على سكان الأهوار
الحكومة المحلية في قضاء الجبايش تتحدث عن استمرار تداعيات أزمة الجفاف التي طالت 95 بالمائة من مناطق الأهوار من خلال هجرة السكان المحليين وتضرر الثروتين الحيوانية والزراعية.

قائم مقام القضاء كفاح الأسدي يقول إن الإطلاقات المائية في عمود نهر الفرات ما زالت في أدني مستوياتها الأمر الذي ضاعف من أضرار مربي الجاموس والمزارعين على الرغم من جهود وزارة الموارد المائية في عمليات الكري والتطهير لقسم من الأنهر والجداول ووضع النحالات على السدة القاطعة بين قضاء المدينة في محافظة البصرة وقضاء الجبايش إلا أنها ليست بالحلول الجذرية للمنطقة التي تعاني من الأضرار والهجرة المستمرة باتجاه المحافظات الأخرى للبحث عن المياه والمعيشة حيث يتم تسجيل العديد من العائلات التي ترتحل بشكل يومي وتضرر للنازحين داعيا الجهات المختصة والمنظمات الدولية لإنقاذ المنطقة من هذه التداعيات.

تسرب التلاميذ بسبب الجفاف
مدير قسم التخطيط في مديرية تربية محافظة ذي قار صادق عبد الرضا يشير إلى تأثير أزمة شح المياه سلبيا على واقع قطاع التربية في مناطق الأهوار ومنها تسجيل حالات تسرب للتلاميذ بسبب انتقال عائلاتهم إلى مناطق أخرى.

ويقول عبد الرضا إن هذه المشكلة مستمرة وتلقي بظلالها بيئيا ودراسيا على التلاميذ في المدارس التي تقع ضمن مشاريع إنعاش الأهوار بعد انتقال السكان المحليين إلى مركز القضاء أو لمناطق أخرى نتيجة تضرر مصالحهم وفقدانهم مصدر الرزق سواء في صيد الأسماك أو تربية الثروة الحيوانية.

تضرر قطاع السياحة
قطاع السياحة في مناطق الأهوار كان الرافد المهم لتحريك عجلة الاقتصاد والاستقرار لدى السكان المحليين بعد دخول مسطحات الأهوار إلى لائحة التراث العالمي والذي بدأ يستقطب آلاف السائحين أسبوعيا من الأجانب والمحليين على الرغم من قلة الإمكانيات والبنى التحتية إلا أن هذه القطاع تضرر كثيرا مع انحسار حجم المسطحات المائية بفعل التغيرات المناخية الأخيرة.

الناشط البيئي في منظمة الجبايش للسياحة البيئية رعد الأسدي يقول إن قطاع السياحة تراجع كثيرا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة نتيجة جفاف مناطق سياحية مهمة ومنها بركة البغداية وإيشان حلاب وإيشان كبة فبعدما كانت تستقبل هذه المواقع آلاف السائحين أسبوعيا تراجعت إلى ما يقارب 250 سائحا وهو ما يشكل تحديا اقتصاديا كبيرا  تسبب في فقدان الكثيرين من أصحاب الزوارق لمهنتهم في تنظيم جولات سياحية داخل المسطحات المائية وهجرتهم إلى مناطق أخرى.

نسب الإغمار الحالية
جاسم الأسدي الاستشاري في منظمة طبيعة العراق يتحدث عن الجهود المشتركة لاستعادة المسطحات المائية حتى عام 2019 والتي لم تتمكن من تحقيق 10 بالمائة بسبب تداعيات التغير المناخي وانحسار الإطلاقات المائية.

ويشير الأسدي إلى أن الخطط التي تم وضعها في هذا الجانب كانت تطمح إلى استعادة أكثر من خمسة آلاف كيلو متر مربع والتي تشكل نصف حجم مساحة مسطحات الأهوار في جنوب العراق لكن ذلك لم يتحقق في ظل الحاجة إلى تأمين 11 مليار متر مكعب من المياه سنويا.

ويضيف الأسدي إن نسب الإغمار الحالية بحدود 10 بالمائة من المساحة الكلية لمسطحات الأهوار والتي تعني بمساحة 560 كيلو متر مربع في ثلاثة محافظات جنوبية البصرة وميسان وذي قار على أثر قلة الإطلاقات المائية من دول المنبع وهي إيران وتركيا بالإضافة إلى تأثيرات التغير المناخي وسوء إدارة وتوزيع ملف المياه.

ويسترسل الأسدي في حديثه عن تداعيات هذا الواقع إلى استمرار حالات النزوح إلى مناطق الفرات الأوسط فيما تقلصت الثروة الحيوانية إلى 35 بالمائة والثروة السمكية تراجعت إلى 95 بالمائة واختفت أسماك بأنواع مختلفة ومتعددة ومنها البنى والكطان والشلج والحمري والخشني والسمتى فيما تراجعت أعداد الطيور المهاجرة بشكل كبير والتي كانت تبحث عن الدفء سنويا قادمة من مناطق سيبيريا وشمال أوروبا ومنها الخضيري والبط وابيض العين الحذاف المعرف.

تحذيرات أممية لإنقاذ أهوار الجنوب
وفي ذكرى انضمام مناطق أهوار جنوب العراق إلى لائحة التراث العالمي دعا النائب لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق غلام محمد إلى التحرك الجاد والفوري لإنقاذ المنطقة الجنوبية ومنها الأهوار في ظل التنبؤ بشح المياه ونتائجه الصعبة على الجميع وقال محمد خلال مؤتمر صحفي عقده في محافظة ذي قار إن الأمم المتحدة سعيدة بالعمل مع الحكومات والمجتمع المحلي من خلال وكالاتها ودعمها المستمر للمزارعين والمستفيدين في هذه المنطقة وتدريبهم على أساليب الزراعة الحديثة وكذلك على مهن وحرف مناسبة لإيجاد فرص عمل لهم لتجاوز الخطر الذي يمثله التغير المناخي.

مشيرا إلى ضرورة تقديم المزيد من الجهود لمواجهة هذا الخطر من قبل الحكومات المحلية والمجتمع الدولي مضيفا أن هناك تحديات أخرى إلى جانب شحة المياه والتغير المناخي تواجه عدد من القطاعات ومنها الصحة والتعليم والصعوبات التي تواجه النساء والفتيات مبينا أنه من المهم العمل المشترك مع الحكومات المحلية للنظر بهذه التحديات وتجاوزها لتمكين العراق من تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي يتطلع لها معربا عن أمله أن يعمل المسؤولين المحليين بشكل جدي لمعالجة هذه الفجوات والثغرات في المجتمعات المحلية بالتعاون مع الأمم المتحدة المستعدة لهذه الشراكة في هذا الجانب.

سفير الاتحاد الأوروبي في العراق توماس سيلر زار مناطق الأهوار وتجول فيها ليطلق تحذيرا تحت عنوان "مناطق الأهوار تعاني من الجفاف وخسارة إذا غادرها السكان المحليون" هذا التحذير الذي كان يعبر عن حجم صورة المعاناة يحتاج المزيد من التكاتف محليا ومركزيا ودوليا بحسب تعبير سيلر والذي أشار إلى أنه اطلع على عدد من المشاريع الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي وتنفيذ منظمة الأغذية والزراعة لمساعدة المربين للاستقرار من خلال طرق عديدة لمواجهة هذه التحديات.

إجراءات للتخفيف من تداعيات الجفاف
دائرة مشاريع إنعاش أهوار محافظة ذي قار تشير إلى اتخاذ عدد من الإجراءات للتخفيف من أضرار شحة المياه في مناطق الأهوار من خلال كري وتطهير الأنهار المغذية ورفد عدد من المناطق بالسيارات الحوضية كمعالجات آنية للواقع المتراجع في العديد الوحدات الإدارية ضمن جغرافية الأهوار الجنوبية.

ويقول مدير الدائرة عدنان عبد الله إن ملاكات الدائرة تعمل حاليا على تشغيل أربعة محطات لتحلية المياه ثلاثة منها تعمل على الآبار الارتوازية في قضاء الإصلاح وواحدة منها على احد الأنهار في قضاء الفهود ويتم تجهيز المواطنين بالمياه مجانا في إطار تامين مياه الشرب للسكان المحليين على أقل تقدير.

محاولات عديدة تقوم بها دائرة الموارد المائية في المحافظة لمعالجة النقص الحاد في مياه نهر الفرات المغذي لمناطق الأهوار من خلال نصب خمسة مضخات كبيرة على السدة الفاصلة بين مدينتي الجبايش والمدينة في محافظة البصرة بطاقة ضخ 10م3 بالثانية للمضخة الواحدة لتسهم في رفع مناسيب المياه في النهر من متر و28 سم إلى متر و61 سم.

مدير الدائرة عبد الرضا مصطاح يقول إن الملاكات الفنية والهندسية وحسب توجيهات الوزارة تعمل على معالجات عديدة لمواجهة الأزمة الحالية بالتزامن مع انحسار كميات الأمطار منها كري الأنهار والجداول المغذية لمناطق الأهوار وتعزيز الإطلاقات المائية عبر الأنهار الرئيسة من خلال القضاء على التجاوزات الحاصلة من قبل المزارعين وضمان وصولها إلى جميع المستفيدين في مناطق ذنائب الأنهار حتى وصولها إلى المسطحات المائية في أقصى جنوب المحافظة.

مشيرا إلى أن نصب المضخات الخمسة لتمرير مياه شط العرب من قضاء المدينة في محافظة البصرة باتجاه نهر الفرات عند قضاء الجبايش يسهم كثيرا في تعزيز المسطحات المائية في الأهوار الوسطى بكميات مياه يمكن لها التخفيف من نسب الملوحة وتسهيل حركة الزوارق في الممرات المائية وإعادة الحياة للثروتين السمكية والحيوانية وكذلك النباتية والمساهمة في استقرار الأهالي من سكان هذه المناطق بالإضافة إلى ضمان تشغيل مجمعات ماء الإسالة.

آمال متأرجحة وتمسك بالأمل
وتبقى مسطحات أهوار جنوب العراق تراوح بين لوائح التراث العالمي ولوائح الخطر بسبب تداعيات الجفاف والتغيرات المناخية وتأثيرات نقص المياه من خلال تمسك سكانها بأدنى مقومات الحياة أملا في تحرك مشترك عاجل لإنقاذها من هذا الواقع.



المزيد من تحقيقات

Developed by AVESTA GROUP