دور القضاء العراقي في إنقاذ الدولة العراقية .. مقال للقاضي زيدان

دور القضاء العراقي في إنقاذ الدولة العراقية .. مقال للقاضي زيدان

يوصف أحياناً بأنه القوة الخفية التي تقف خلف ضبط إيقاع الأحداث في العراق ومنع الاختلالات الجسيمة، فقد ظهر دائماً خارج النسق العام وبعيداً عن الانفعال السياسي المتواتر، حتى أمام التحديات والانتقادات التي واجهت القضاء العراقي نفسه خلال السنوات الماضية، لكنه عكف بلا كلل على تحديد ما بدت أولويات مهمته، فانتزاع استقلالية القضاء وسط بيئة سياسية تميل عبر إرث امتد لعقود، وربما قرون الى استلاب منصة القاضي لصالح السياسي والحزبي ورجل الدين والحاكم كان هدفاً عاجلاً وصعباً، لكنه تحقق في نهاية المطاف، فماذا بعد؟
المنصة المستلبة
لا يمكن بأي حال افتراض إن الدولة العراقية المعاصرة ناهيك عن تلك الممتدة تاريخياً كانت تتبنى مبدأ استقلالية القضاء، فأقصى ما استطاع القضاة انتزاعه من السلطات المتعاقبة كانت المهنية ومحاولة اعتناق الأنظمة والقوانين، غير أن تلك المهنية كثيراً ما يتدخل الحاكم لحرفها او توجيهها، باستثناءات، أو محاكم خاصة، أو عسكرية، أو اضطهادات لقضاة لم ينصاعوا.
بعد 2003 نص الدستور العراقي على استقلالية القضاء، وأن “القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة” غير أن الأمر لم يسر على وفق هذا النص، فقبل مجيء فائق زيدان كرئيس لمجلس القضاء الأعلى عام 2017، كانت الاتهامات تتوالى حول اختراق الأحزاب العراقية للجسد القضائي، واستخدامه أحياناً لصالح طرف حزبي أو جهة، وامتد الأمر الى المحكمة الاتحادية الدستورية التي جرى اختبارها في بعض أكثر الأحكام جدلاً.
الذهاب الى القضاء كانت مهمة ومحنة البسطاء في العراق، فالسياسي النافذ يكتفي بالتوجه الى رئيس حزبه، وكذلك يفعل المدير والوزير، ليس الأمر أن القضاة أنفسهم لم يكونوا بمستوى المهمة، فمعظمهم امتلك الخبرات اللازمة لموقع الحاكم باسم العدالة، غير أنهم كحال كل العراقيين وجدوا مؤسسات الدولة قد تعرضت للانتهاك السياسي والحزبي، وراقبوا أحياناً بيأس قيادات الأحزاب، وهم يزحفون بعنف الى الجسد القضائي ويحاولون بلا هوادة نشر عبث الحصص الطائفية والحزبية والعرقية والمناطقية في شرايينه.
بضع سنوات فقط كانت تكفي لكي تتحول المؤسسة القضائية الى انعكاس مرير للوزارات والمؤسسات التنفيذية المنخورة بالفساد والتقاسم والمغانم في العراق، وكذا المؤسسات التشريعية التي خرج كل قيح الطائفية من عفن زواياها.
بل إن تآمراً سياسياً مقصوداً، قد جرى على المؤسسة القضائية بقصد إفقارها بقصد اختراقها، من خلال تقويض حصانة القضاة المالية والأمنية والإعلامية لتخليق بيئة العبث السياسي العراقي التي جُربت ونجحت بامتياز على صعيد المؤسسات التنفيذية، وذلك كبديل عن رعاية القضاة ودعمهم ومنحهم الخصوصية والحصانة والحماية الأمنية، كما يفترض أن يكون.
محنة التغيير
لم يكن القاضي زيدان الذي تدرّج عبر حلقات المؤسسة القضائية واختبر تفاصيلها وراقب المد السياسي الهائل الذي يتراكم على أبوابها ويتسرب عبر نوافذها، بعيداً عن تشخيص الأزمة، لكن مقارباته للتغيير كانت مغايرة عن تلك التي تقمصت فلسفة “كن فيكون”.
فحين تولى رئاسة المؤسسة بالغة الحساسية والخصوصية والتي قد تكون آخر معاقل الشرعية لضمان وحدة العراق وتماسك معنى الدولة فيه، كان يدرك أن لا مجال للانفعال في التعاطي مع أي خلل في هذه المؤسسة، ثمة تقاليد عميقة متشابكة عبر قضاة العالم تفرض أن لا يتم الانقياد الى ممارسات صدامية داخل البيئة القضائية، فالقضاء يجب أن يحافظ على وقاره وتماسكه وهدوئه حتى وسط بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مضطربة وهائجة ومرتبكة. يجب أن يبتعد عن الأضواء والجدالات التي يحفل بها العراق، وأن يعتمد السرية والخصوصية في التعاطي مع ضرورات الإصلاح والتطوير الداخلي في هياكله وتجديد دمائه وتفعيل منظومات العدالة.
منطقي أن يكون فائق زيدان قد سأل نفسه في عام 2017 “من أين أبدأ؟”، هكذا يفعل أي مسؤول في لحظة توليه المسؤولية، فمعادلة الأولويات تفرض نفسها، وفي النسخة العراقية تكون الأولويات أشبه بمحنة لصاحب القرار الذي يحاصره إرث مؤسسته وتختبره الشبكات المتداخلة من الأزمات والضرورات وحقول الألغام، وقد يخطئ في اختيار نقطة البداية فيطلق سلسلة تداعيات لا يمكن السيطرة عليها.
الذهاب الى القضاء كانت مهمة ومحنة البسطاء في العراق، فالسياسي النافذ يكتفي بالتوجه الى رئيس حزبه، وكذلك يفعل المدير والوزير.
العراق كان يخوض حرباً طاحنة ضد تنظيم “داعش”. الاقتصاد تهاوى على وقع احتياجات ساحات القتال والأزمة الاقتصادية العالمية التي فتكت بالجميع. فيما الشعب غاضب من السياسات التي قادت الى هذه الحفرة المخجلة، ويطالب بالإصلاحات الشاملة والسريعة والفورية.
العراقيون في الغالب لا يختلفون عن أي شعب آخر، فالأولويات لا تعنيهم، والأمراض يجب أن تشفى بلمسة كلية القدرة، وليس بعلاجات طويلة ومؤلمة وصبورة، لكن الحكام المنشغلين ببناء مملكاتهم الزبائنية والحزبية والاقتصادية اختاروا المورفين بدل العلاج، حتى بعد أن عرفوا عن تعفن الجروح وهلاك الخلايا وتزييف الواقع.
في هذا الاختبار الصعب، اختار القاضي فائق زيدان طريق الصبر والإصلاح التدريجي والبناء المتراكم في مؤسسته.
لم يكن الإصلاح سهلاً، فالاستعانة بالدماء الشابة غير الملوثة بالانحيازيات وتفعيل أطر العمل، وربط أطراف المؤسسة بمركزها وتكريس قيم العدالة فيها وفي أحكامها، وتوفير ما يمكن توفيره من مقتضيات الحصانة لقضاتها، وتطوير امكاناتهم وتقوية قلوبهم أمام التهديدات والمخاطر والمحاذير التي زرعتها تجارب العراق، لم يكن أمراً سهلاً، ولم يكن من دون أخطاء أو زلات أو ممانعات، بل كان حافلاً بالتحديات التي تبدأ من خارج أسوار المؤسسة في الغالب وتتسلل الى داخلها.
في جدل التوازن
خلال مرحلة البناء تلك، لم تسلم المؤسسة القضائية من الانتقادات، بعضها اتسم بطابع سياسي، وآخر تلبّس مذاكرات سقراطية عن معاني الاكتمال المعرفي والوعي بالنقص، لكن أخطرها كان مصدره خارجي، وكان يخلط في الغالب بين مجالات عمل القضاء وقرارات المحكمة الاتحادية، كما أنه يصطاد في الإجراءات والتجاوزات التحقيقية التي تتحمل مسؤوليتها السلطة التنفيذية، فيما انتخب بعضها إشارات عن “التوازن” لتأويل أن القضاء يحاول التوازن بين مطالب وحاجات وسلطات الأحزاب ومطالب الناس ومقتضيات العدالة، فيما أن لا توازن إزاء جوهر العدالة.
واقع الحال، أن القاضي زيدان سعى الى تحقيق التوازن بين مقتضيات التغيير والتطوير داخل الجسد القضائي، وبين ضرورات الحفاظ على هيبة وسلامة وخصوصية ورمزية المؤسسة، وبين الإمكانات المتاحة والمهمات الماثلة لتأمين الالتزامات القضائية أمام تحديات الإرهاب والجرائم والفساد والانحرافات الخطيرة التي عصفت بالوضع العراقي من كل الاتجاهات.
كان لافتاً، أن القضاء من بين المؤسسات العراقية المختلفة، لم يعتمد التصنيف الطائفي والعرقي الذي نخر جسد الدولة، وكان استعاد بذلك هيبة قضاته ومؤسساته وإجراءاته، وحفظ المتغيرات والخصوصيات بين جدرانه من دون أن يحولها الى ميدان مهرجانات دعائية، وانتج صيرورة للنهوض واستعادة الحضور.
ليس مضموناً أن كل ذلك حدث من دون أخطاء أو عثرات أو محاولات عرقلة أو تشويه أو تحريف، والخبر الجيد أن المؤسسة القضائية في جوهرها امتلكت دائماً فرص التصحيح الذاتي للاقتراب الى أقصى ما يمكن من مقتضيات العدالة.
لكن الوصول الى “العدالة” باعتبارها غاية نهائية، لا يمكن الحلم بها، من دون ضمان استقلالية المؤسسة المعنية بالعدالة، وهي في النسخة العراقية يمثلها “مجلس القضاء الأعلى”، فهل كان ذلك ممكناً؟
انتقال الملاحظات من الشكوى من تأثير الأحزاب والاتجاهات الى الشكوى من أن المؤسسة القضائية ربما غدت أقوى مما يجب، بحد ذاته يستدعي التمعن والتحليل
من أجل انتزاع الاستقلالية
بعد تسع سنوات على ثورة التغيير الصامتة تلك، من الصعب اليوم افتراض أن القرار القضائي في العراق ينبع من تأثيرات وقرارات واعتبارات تنبع من خارج المؤسسة القضائية وليس من صميمها، بل إن ملاحظة مسار الاستشكالات الذي تغيّرت تماماً من مظالم الأحكام وتأثير الأحزاب والطوائف، الى الغمز بأن فائق زيدان أصبح رئيساً للسلطة الأقوى في العراق، تشير الى استقلالية اكتسبتها المؤسسة بقيادة هذا الرجل لا مثيل لها ليس في المنطقة فقط، بل على مستوى العديد التجارب الدولية، فانتقال الملاحظات من الشكوى من تأثير الأحزاب والاتجاهات على القضاء الى الشكوى من أن المؤسسة القضائية ربما غدت أقوى مما يجب، بحد ذاته يستدعي التمعن والتحليل.
من دون لبس، نجح القاضي زيدان بانتزاع القضاء من براثن الأحزاب ومراكز القوى حتى الدينية منها، وهذا ليس خبراً عادياً خصوصاً في التجربة العراقية، حيث كان الجميع ينتظر قبل سنوات انهياراً حتمياً للمؤسسة القضائية بعد انهيار المؤسسات الأخرى، على وقع سياسات القضم الحزبية والمذهبية والعرقية التي سرطنت جسد الدولة.
ومع خشية المبالغة، فإن هذا التطوّر غير المتوقع، لم يكن ليحدث، كما لا يمكن ضمانه مستقبلاً، من دون توفر الشخصيات القضائية الاستثنائية الواعية بدورها ومهامها واولوياتها لتحقيق ديمومته.
دولة العراقية ما بعد 2003، ناهيك عن تاريخها المديد في الهيمنة على السلطة القضائية، تم تفصيل علاقات مؤسساتها لتكون السلطة التنفيذية متفردة في صلاحياتها وامكاناتها وقدراتها للهيمنة العمومية، وهي قد تجاوزت نصوص الدستور التي تحث على الفصل بين السلطات من خلال استخدام أدواتها الأمنية والمالية والإدارية كوسائل ضغط من اجل إخضاع السلطات الأخرى، حتى تمكن فائق زيدان من كسر هذا المسار، وسوف يتطلب الامر المزيد من التعديلات في القوانين واللوائح والإجراءات لضمان حماية الفصل بين السلطات ومنع تغوّل السلطة التنفيذية أو أي سلطة أخرى على المدى البعيد.
ما التالي؟
لم يكن مفاجئاً أن يبحث الجميع وبضمنهم القوى الخارجية في لحظة جنوح سفينة الدولة العراقية وارتباك توازناتها القلقة وسط الأزمات الدولية والإقليمية والداخلية الطاحنة، عن طرف عراقي مستقر وسط الفوضى، بإمكانه إنتاج الحلول والضمانات وامتلاك القدرات والطاقات اللازمة لجر سفينة العراق من محنة جنوحها التاريخية الخطيرة.
أن يتحول القضاء الى أمل أخير لإنقاذ الدولة العراقية، ليس غريباً أيضاً، كما أنه ليس خارج سياق الأزمات الكبرى التي تحفل بها الوقائع والتواريخ عبر الكوكب، ولكنه أمل يحتاج الاعتراف أولاً بأن العراق يواجه أزمة مصيرية.
قد لا يبدو مرضياً أن تصل المؤسسات التشريعية والتنفيذية العراقية الى أعتاب الشلل وانعدام الفاعلية، وأن تحتاج الى دفق الدولة الذي انتجته المؤسسة القضائية بجلد وصبر طوال قرابة عقد من الزمن لتنشيط سياق الدولة واستعادة قدرتها وفعاليتها.
لكن يبقى السؤال معلقاً، هل بإمكان القضاء بعد أن احتل مكانته القيادية في العراق وسط التدافع والتحديات، أن يسهم وحده في انعاش الدولة وتعديل انحرافاتها ومعالجة أمراضها، من دون نكران أن بعض آثار تلك الأعراض ما زالت موجودة في جسد القضاء نفسه بحكم البيئة العراقية العامة وهي بحاجة مستمرة الى التحصين والوقاية؟
واقع الحال، أن القضاء في العراق بإمكانه ذلك، لكن عليه أن يحوّل، وهو يسعى الى انقاذ الدولة كمهمة وطنية يتبناها، ذلك الزخم الشعبي الذي يحتضن مساره الحالي الى قوة دفع انفجارية تضمن الانسجام والتكامل بين المؤسسات والسلطات تشبه تلك التي انتجها فائق زيدان داخل مؤسسة القضاء، وهي قوة كفيلة بدفع المسارات المعطلة وصوغ القوانين واللوائح التصحيحية المؤجلة، واتخاذ إجراءات حاسمة وصعبة ومؤلمة لا بد منها من أجل بقاء العراق عراقاً.

المزيد من سياسة وأمن واقتصاد

Developed by AVESTA GROUP