حارس القصب يروي اسرار الكواهين السومرية
المربد / جاسم الانصاري
قد
تبدو لك هذه الممرات المائية صامتة تماما لكنك إن تمعنت قليلا بين
"كواهين" هور السناف، ستسمع صهيل مشحوف "نسيم ناجي"، الصياد
المندائي، وهو يشق تجاعيد القصب بمشحوفه السومري، ممسكا بيده "الفالة"
و"السلية" بينما تفيض يده الأخرى حبا للطبيعة وللموروث السومري، في هذا التحقيق سنميط اللثام عن قصة الشاب
المندائي نسيم ناجي الذي عشق الماء والقصب في زمن شح فيه الماء وتفطر جوف الهور.
نسيم
ناجي، شاب في العشرين من عمره لم تمنعه
حداثة سنه من أن يكون حارسا لإرث سومري ثقيل امتطى صهوة مشحوفه وراح يشق كواهين الأهوار تلك الممرات المائية الضيقة
والسرية التي لا يعرف أسرارها إلا أبناء الماء، ما بين كاهن وآخر، وبين "السبل" وهي المسالك مائية غير متعرجة، يتقلب نسيم بزورقه من واحة إلى
أخرى، ليس بحثا عن الرزق وفير فحسب بل بحثا عن روح الطبيعة والمياه الجارية التي
بدأت تتلاشى.
شغف
الصيد
ما
بين كواهين الأهوار وموجات مياه نهر المشرح، يسير مشحوف "نسيم ناجي"،
الشاب المندائي الذي عشق الماء والقصب، وورث شغف صيد الأسماك كجزء من جينات عائلته
المندائية المنحدرة من العائلات الصابئية التي تسكن جنوب العراق، وامتهنت صناعة
الحرف اليدوية والصياغات الذهبية والفضية والنقش على الحجر وصناعة شباك الصيد
وصناعة الزوارق النهرية والصيد منذ مئات السنين. هنا تروي نسائم الأهوار قصة عشق
فريدة، إذ يسعى هذا الشاب إلى ترسيخ مفاهيم وقيم بيئية أصيلة تتعلق بحماية الطبيعة
والنظم الإيكولوجية في زمن عز فيه الماء.
الصياد
الرحيم يعترف بارتكابه جريمة بيئية
يروي
نسيم لنا قصة حصلت معه إذ قام كعادته برمي الشباك في عمق الأهوار لاصطياد الأسماك،
وحين أخرج الشباك من الماء ليرى ما الذي اصطاده من أسماك، وجد أن الشبك اصطاد
أسماكا صغيرة يسميها "شوجي"، فمسكها بحزن وفرغها من الشباك وأعادها
للماء مجددا، ويعتقد أنه ارتكب جريمة حين أخرجها من الماء لأنها لا تزال صغيرة ولا
يحق له اصطيادها، وهذا ضمن الأعراف المتداولة لدى القدماء من صيادي الأسماك
السومريين.
كما يروي
نسيم قصة سمعها من أحد رفاق والده، يقول إن العم حسن -وهو صديق لوالدي- يقول إنه
حين كان صغيرا يذهب لهور السناف في أقصى شرق ناحية المشرح ليمارس السباحة، وأن
والد نسيم يضعه على رأسه ويدخل به عمق الهور الذي كان المتحدث يخاف منه لصغر سنه،
وحين يصل لمناطق عميقة في الهور تسمى "السودة" لكثرة المياه الضحلة
المترسبة في تلك البرك المائية العميقة، فإن تلك المياه الضحلة كانت تمثل المخبأ
غير المعلن للأسماك النفيسة التي يعرفها الصيادون باسم "الكطاطين"، وهي
أسماك باهظة الثمن مقارنة بغيرها من أصناف أسماك الأهوار.
يقول حسن لابن صديقه
ناجي إن والده كان يضرب بقوة بواسطة "فالة" في عمق ذاك الوحل ليصطاد
الكطان، ويفعل ذلك لأكثر من مرة حتى يصطاد كميات كبيرة من تلك الأصناف من الأسماك
ويعود محملا بها إلى زورقه. أما عن سبب مقولة "راحن كطاطينك يناجي"،
فيقول حسن إن الجفاف وتراجع أغمار الأهوار تسبب بنفوق تلك الأسماك، ولم تعد هناك
لا "كطاطين" ولا مياه عميقة.
"فالة رويشد"
وبعيدا
عن الأهوار والقصب يروي نسيم للمربد أن أولاد عمومته من الصابئة اشتهروا بصناعة
أدوات الفلاحة، وله لمسة متميزة حين عرفت آلة "الفالة" وهي أداة لصيد
الأسماك الكبيرة، وتتكون من ساق حديدي يبلغ طوله مترا وأكثر بقليل، وفي مقدمة
الفالة هناك 3 رؤوس مدببة تدخل في جسد السمكة وتسحبها ليلتقطها صائد السمك, بسبب
أن بعض الأسماك لا يتم اصطيادها بالشباب لأن خيوط الشباب لا تتحمل قوة تلك الأسماك
في الماء، فيستعيض الصياد بأداة الفالة لاصطياد تلك الأسماك. أما رويشد فيعد من
أمهر صناع هذا النوع من أدوات الصيد، فتحول إلى اسم يتبارى الكثيرون من الصناع
لإنتاج "فالة" تشبه أو تقارب الجودة التي يصنعها رويشد.

جذور
نسيم المندائية يهددها الجفاف
في
ذاكرة نسيم الحيّة، تعيش حكايا الأجداد السومريين, حكايا عن أهوار كانت تغص
بالحياة والخيرات. وهو اليوم يقف شاهدا على تبدل الأحوال، مقارنا بحسرة بين وفرة
الأسماك سابقا وندرتها الحالية، هذه العلاقة مع الأرض والمياه ليست وليدة الصدفة،
فجذور الصابئة المندائيين غائرة في طين هذه الأرض منذ آلاف السنين، ممتدة عبر
التاريخ كأولى الحضارات التي استوطنت ضفاف الأنهار. نسيم ابن ناحية المشرح، الذي
عشق الصيد ولعا بما خلفه له جده، لم يقف مكتوف الأيدي إزاء مشاهد الجفاف المتلاحقة
التي نهشت جسد الأهوار الخصيب.
وعلى
الرغم من قسوة المشهد وتراجع مناسيب المياه، لا يزال نسيم ناجي المندائي متمسكا
بناحية المشرح . يقطع يوميا مئات المترات المائية يرمي شباكه يقتنص متعة الصيد لكن
بأخلاق السومري القديم فما إن تقع في شبكته سمكة صغيرة حتى يعيدها برفق إلى قاع
النهر لتكبر وتكبر معها أمنياته بعودة
الحياة الطبيعية إلى واقعها الخلاق دون
تدخلات بشرية تعبث بنقاء هذا الماء وقصبه.